الشك بوصفه متاهة للغافلين وطريقا للعارفين – الجزء الأول-
الشك بوصفه متاهة للغافلين وطريقا للعارفين – الجزء
الأول-
"من لم يشك لم ينظر،ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر يبقى في العمى والضلال..فـالشك أول درجات اليقين". أبو حامد الغزالي.
"أنا أفكر إذًا أنا موجود، وكل موجود لا بد له من موجد، فمن الذي أوجدني، ولا يجوز أن يكون الذي أوجدني أقل مني، لأن لا يجوز أن يقدر الأدنى على خلق الأعلى، ولا يجوز أن يكون الذي خلقني مساويًا لي، لأنه لو كان مساويًا لي، فلماذا لم أوجده أنا، ونكون نحن متساويان، إذًا لابد أن يكون الذي أوجدني أعلى مني، وليس هناك أعلى مني إلا الله" رينيه ديكارت.
الشك، كان منطلق الشيخ أبا حامد الغزالي، وكان أيضا منطلق الفيلسوف رينيه ديكارت، من بعده، كلاهما قادهما الشك إلى اليقين، الذي يتمثل في وجود الله عز وجل، طبعا نحن نوقن بوجود الله جل وعلا، ولا نحتاج شكا، فالشك نتجاوزه عبادة او تقليدا أو تدبرا أوإيمانا، ولله الحمد والمنة، كما سنوضح هذا في الآتي بيانه، ومن اجتاحه –أي الشك- فليكن في مثل عقلانية تفكير ابي حامد وديكارت، حتى يصل إلى الحقيقة ولا تزيغ به السبل.
طبعا في هذا المبحث سنحاول توسيع الهامش الذي حصره الفيلسوف ديكارت بين الشك والتفكير، حيث سنبحث ما قبل الشك، أي ولادته، على أن نبحث سيرورته وتقسيماته التي يتخللها، والتي توصله إلى نقطة اليقين، أو الحقيقة، أو الزيغ والتيه، وذاك في جزء ثان.
ماهية الروح والتفاعل الزمكاني للجسد:
الروح طاقة
سامية لا يعلم كنهها إلا العلي القدير، قال تعالى : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ
عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ
إِلَّا قَلِيلًا ( سورة الإسراء. فالروح من
صميم العلم المطلق الغيبي، الذي لا يعلمه إلا الرحمن، لأنه علم لا يخضع لزمان أو
مكان محددين، لهذا قال الله عز وجل وما أوتيتم من العلم إلا قليلا، لكون علمنا
مهما بلغ فهو يدور في خضم عالم نسبي فيه مجرات وسماوات وبحار...، وهو عند الله جل وعلا ليس
إلا علما قليلا ، والروح تتجاوز كل هذا العلم النسبي، الذي ترك لنا فيه
الرحمن إمكانية التحرك والتعلم والاستكشاف، وبالتالي فستبقى لغزا من أمر الله لن
يحل، فهناك إدراك بوجود الروح، لكن هناك علة وعجز تمنعان رصدها ودراستها. فهي طاقة
لا يمكن رصدها، ولا يعلم كنهها، لأنها اكبر من أن ترصد بعلم نسبي.
هذا وإن التكوين الإنسي في بطن الأم، ينتقل من حال الحركة الخلوية، مجموع خلايا تفاعلت بين حيوان منوي وبويضة، إلى حال الحركة الإرادية عند نفخ الروح فيه، هذه الروح التي تبقى المسؤولة عن حياة الجسم واستمراريته. وكأنها بهذا المعنى هي ذاك الزر الذي يعلن بداية حياة إنسان في هذا العالم الدنيوي، حياة معلومة القدر، معلومة البداية والنهاية عند الخالق عز وجل، فهذا إنسان بغير تلك الروح ما هو إلا كتلة لحم لا تسمع لها همسا ولا نبسا، لا ينفع ولا يضر، إلا برائحة كريهة قد تنبعث منه حال تحلل جسده، الذي يعلن حقيقته للناس أجمعين، انه مجرد وعاء لا قيمة له دون جوهر الروح. و الروح حال اتصالها بالجسد الإنسي، يبتدئ الإطار الزمكاني لجسم الإنسان، فبالروح يبتدئ زمان الانسان، وتبتدئ حركيته، وتلك الحركية التي تتخلل اعضاءه هي التي يتولد عنها التفكير، فتوقف زمان الانسان النسبي المرتكز على تفاعل الروح والجسد، يعني توقف حركيته، ثم توقف تفكيره، فالتفكير عملية تفاعل بين العلم اليقيني للروح مع المدرك الحسي الدماغي، الذي يزداد تفاعلا مع ازدياد حركة الجسم.
فثبوت الجسم في مكان واحد يجعله ضيق الأفق والتفكير، ويجعل تفاعل الروح بجسدها خافتا، بل يجعل زمانها متثاقلا، يمر برتابة، على عكس ذلك، نجد أن حركية الجسد الموائمة لحركية الزمان والمكان العامين، أي حركية الأرض وزمانها، تجعل تفاعل الروح بالجسد تفاعلا متوازنا، منتجا للأفكار، أفكار تتوازن بين سمو الروح ومتطلبات الجسد، (توازن الافكار هذا يمكن لمسه تاريخيا في اطار حضارة الاسلام في أوجها، أي توازن الديني مع الدنيوي، وكذا عصر النهضة والانوار، أي توازن الإنساني الاخلاقي مع المادي) .
بعد ذلك اصبحت وتيرة حركية الجسد تتسارع، وتتسارع معها وتيرة انتاج الافكار، بصورة لم تعد فيها تلك السرعة منضبطة، وهو أمر ينطبق على عصرنا هذا، فحركية جسم الانسان متسارعة بصورة مهولة، خاصة حركية البصر من خلال التطور التكنولوجي الرقمي، ما يجعل الافكار تتداول وتنتج بسرعة، وهي افكار جعلت سرعة انتاجها، تغلب فيها ماديتها على عنصرها الروحي، الذي أضحى تفاعله ضئيلا، انها سرعة تتجاوز في نطاقها التوازن مع سرعة الارض ودورانها، وهو ما يؤثر على البيئة الطبيعية، بشكل جعل الانسان يدخل مرحلة الافساد في الارض، وهي مرحلة لا تحمد عواقبها بحال.
طبعا بوصفنا مسلمين حاليا فنحن في حكم المتفرج، التابع لا غير، لأننا لم ننسجم مع حركية الزمان العام الارضي، فالتاريخ تجاوزنا، لأننا جمدنا حركية أجسادنا بالتقوقع على ذواتنا، بصورة أضعفت التفاعل بين روحنا وأجسادنا، وضاع ذلك التوازن الذي كنا عليه، فنشأت الدروشة والتصوف والزندقة والشعوذة والخرافة...، وابتعدنا عن دنيانا، ما جعل الروح بغياب حركية الجسد يقل تفاعلها المنتج للأفكار، ولا تكشف عن كنوزها من ذلك العلم اليقيني، لعدم وجود جسد متفحص متأمل، بل جسد مقلد وجامد في حدود ما أنتجه السلف، مع أن الثابت ثابت هو القران والسنة النبوية الصحيحة، وهما أبديان لا يخضعان لنقاش، لكن فتاوى العلماء واجتهاداتهم ورؤاهم وعلومهم...، هي متغيرة ونسبية، لأنها منطلقات وإن كانت مستمدة من وحي، إلا أن اسقاطاتها النسبية في واقع العامة، تمت بوعاء عقل بشري عاد، يمكن ادراكه بالعلم، ولم تأت مباشرة من وعاء نبي ولا رسول مرسل اختاره العلي القدير من عل.
الروح والجسد ..علم يقيني ومدرك نسبي..ميلاد الشك
الروح لدى علماء السلف باتصالها بالجسد تصبح نفسا، فالنفس هي روح مسجونة في قمقم الجسد، فإن اتصلت بعالمها الأصلي المطلق سمت، وان طاوعت الجسد دنت، لهذا فان أي اتصال للروح بالجسد يسفر عن حركتين أساسيتين، حركة خارجية لأعضاء الجسم، تتحرك فيها اليد الرجل الرأس اللسان...، وحركة داخلية يمكن تسميتها بحركة الأفكار.
إذن تفاعل الروح بالجسد المادي هو الذي يجعل ذلك الوعاء الإنسي يتحرك ويفكر، كما أسلفنا الذكر، غير أن أي تفكير تسبقه شرارة التفاعل، شرارة تكون مزيجا بين علم يقيني، أتت به الروح السابحة في ملكوت الله الواسع الخبيرة، بما اطلعت عليه باذن الرحمن ، وعلم نسبي يطلع به الجسد المادي المحدود في زمان ومكان نسبيين، من خلال أذن تسمع، عين تبصر، ودماغ يدرك ،وذاك هو الشك الذي انطلق منه ابو حامد الغزالي ومن بعده ديكارت.
فالشك اذن هو حالة الحيرة التي تكتسي الانسان، بين علم روحي يقيني، وعلم جسدي مدرك، روحك في داخلك تخبرك أن خالق هذه الأكوان هو الله عز وجل، وهذا هو اليقين، جسدك بدماغه لا يرى هذه الحقيقة ماثلة أمامه، هنا يخلق الشك، فمن تسمو روحه، يقطع رأس شكه بيقين وجود الله عز وجل، وأنه أكبر وأجل وأعظم، من أن يدرك بدماغ لا يحيط إلا بما يرى ويسمع ويلمس.
ذواتنا الحالية بين الشك واليقين
لأن القرأن بين أيدينا ، ولأننا توارثنا الإسلام، فإننا قد نتجاوز حالة الشك، طبعا قد لا يصل كثيرنا الى اليقين، فهو مناط بحث العارفين، قال الله عز وجل : قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 14. سورة الحجرات، من هنا فاغلبنا قد توارث الدين ووجدنا أنفسنا مسلمين، ولله الحمد والمنة، هذا لأننا نهرب من الشك ونرى فيه معصية، وهذا هو المطلوب، فإن لم تكن متحصنا، بصلاة في أوقاتها وذكر لله وتدبر للقران وإقامة لحدود الله...فاي محاولة لمطاوعة شكك ضرب من الخبل، فمطاوعة شكك وعدم الاستعاذة بالله من شرور نفسك ووسوسة شيطانك، في حالة تكون مداوما فيها على إثم ومعصية وتهاون في عبادة، أو اتباع هوى، أو غرور بعبادة وعلم وتزكية للنفس... كل هذا هو تمكين وتغليب لجسدك على روحه السامية، حيث يلوثها ويجعلها حيوانية الهدف –لوامة- أو شيطانية التفكير –أمارة بالسوء.
الشيطان لا يملك إلا أن يجذبك نحو الحقيقة التي يراها جسدك ، لا اليقين الذي تستوعبه روحك في عليائها، فإذا سجنت روحك في جسدك، وأغلقت عليها منافذ الرحمن، من صلاة وقران وذكر، ستنقطع عن هذه النفس أي صلة بعالمها المطلق وعلمها اليقيني، الذي أدركته قبل دخولها إلى جسدك المادي، حينما تغلق تلك المنافذ، يصبح لديك جسدا حيوانيا تتحكم فيه وسوسات الشيطان بداية، فتتجاوز الحدود التي امرك الله بعدم تجاوزها، فروحك المؤنبة غذا صوتها خافتا غير سماع، ويا ليت بينك وبين الله وصلة رجوع، تستقوي فيها روحك أو نفسك اللوامة، بدمع منيب مستغفر، فاغلاقك المنافذ كلها، سيجعل نفسك تألف شهوة الجسد، وتستبدل يقينها السامي، بحقيقة جسدية حيوانية، همها تلبية الرغبات والشهوات بدون رادع، إنها ذات تفوق الحيوان بطشا وشرا، فالحيوان لا يبطش إلا لجوع، أو حماية لنفسه، لكن الإنسان إذا اغتمره الشر، بطش لكي يفسد في الأرض، هنا تصبح نفسك أمارة بالسوء، لا تستقيم حياتها إلا بشر، فلا يغدو شيطانك هو المتحكم فيك، بل نفسك الخبيثة، فالشيطان أدى مهمته بنجاح، وتركك حرا لتكون معينه بوصفك شيطانا انسيا والعياذ بالله.
نسأل السلامة لي ولكم ولجميع البشر أجمعين.
في المبحث الثاني سأعرج على قصة أصحاب الكهف، لإيضاح معنى تفاعل الروح بالجسد، ثم سأحاول بإذن الله إبراز مسالك الشك والتفكير وحالات غيابهما، والتي على إثرها تتحدد معالم الإنتاج الروحية والفكرية والعلمية المفضية إلى العبادة أو الكتابة أو الحركة.
مالك المغربي.
هذا وإن التكوين الإنسي في بطن الأم، ينتقل من حال الحركة الخلوية، مجموع خلايا تفاعلت بين حيوان منوي وبويضة، إلى حال الحركة الإرادية عند نفخ الروح فيه، هذه الروح التي تبقى المسؤولة عن حياة الجسم واستمراريته. وكأنها بهذا المعنى هي ذاك الزر الذي يعلن بداية حياة إنسان في هذا العالم الدنيوي، حياة معلومة القدر، معلومة البداية والنهاية عند الخالق عز وجل، فهذا إنسان بغير تلك الروح ما هو إلا كتلة لحم لا تسمع لها همسا ولا نبسا، لا ينفع ولا يضر، إلا برائحة كريهة قد تنبعث منه حال تحلل جسده، الذي يعلن حقيقته للناس أجمعين، انه مجرد وعاء لا قيمة له دون جوهر الروح. و الروح حال اتصالها بالجسد الإنسي، يبتدئ الإطار الزمكاني لجسم الإنسان، فبالروح يبتدئ زمان الانسان، وتبتدئ حركيته، وتلك الحركية التي تتخلل اعضاءه هي التي يتولد عنها التفكير، فتوقف زمان الانسان النسبي المرتكز على تفاعل الروح والجسد، يعني توقف حركيته، ثم توقف تفكيره، فالتفكير عملية تفاعل بين العلم اليقيني للروح مع المدرك الحسي الدماغي، الذي يزداد تفاعلا مع ازدياد حركة الجسم.
فثبوت الجسم في مكان واحد يجعله ضيق الأفق والتفكير، ويجعل تفاعل الروح بجسدها خافتا، بل يجعل زمانها متثاقلا، يمر برتابة، على عكس ذلك، نجد أن حركية الجسد الموائمة لحركية الزمان والمكان العامين، أي حركية الأرض وزمانها، تجعل تفاعل الروح بالجسد تفاعلا متوازنا، منتجا للأفكار، أفكار تتوازن بين سمو الروح ومتطلبات الجسد، (توازن الافكار هذا يمكن لمسه تاريخيا في اطار حضارة الاسلام في أوجها، أي توازن الديني مع الدنيوي، وكذا عصر النهضة والانوار، أي توازن الإنساني الاخلاقي مع المادي) .
بعد ذلك اصبحت وتيرة حركية الجسد تتسارع، وتتسارع معها وتيرة انتاج الافكار، بصورة لم تعد فيها تلك السرعة منضبطة، وهو أمر ينطبق على عصرنا هذا، فحركية جسم الانسان متسارعة بصورة مهولة، خاصة حركية البصر من خلال التطور التكنولوجي الرقمي، ما يجعل الافكار تتداول وتنتج بسرعة، وهي افكار جعلت سرعة انتاجها، تغلب فيها ماديتها على عنصرها الروحي، الذي أضحى تفاعله ضئيلا، انها سرعة تتجاوز في نطاقها التوازن مع سرعة الارض ودورانها، وهو ما يؤثر على البيئة الطبيعية، بشكل جعل الانسان يدخل مرحلة الافساد في الارض، وهي مرحلة لا تحمد عواقبها بحال.
طبعا بوصفنا مسلمين حاليا فنحن في حكم المتفرج، التابع لا غير، لأننا لم ننسجم مع حركية الزمان العام الارضي، فالتاريخ تجاوزنا، لأننا جمدنا حركية أجسادنا بالتقوقع على ذواتنا، بصورة أضعفت التفاعل بين روحنا وأجسادنا، وضاع ذلك التوازن الذي كنا عليه، فنشأت الدروشة والتصوف والزندقة والشعوذة والخرافة...، وابتعدنا عن دنيانا، ما جعل الروح بغياب حركية الجسد يقل تفاعلها المنتج للأفكار، ولا تكشف عن كنوزها من ذلك العلم اليقيني، لعدم وجود جسد متفحص متأمل، بل جسد مقلد وجامد في حدود ما أنتجه السلف، مع أن الثابت ثابت هو القران والسنة النبوية الصحيحة، وهما أبديان لا يخضعان لنقاش، لكن فتاوى العلماء واجتهاداتهم ورؤاهم وعلومهم...، هي متغيرة ونسبية، لأنها منطلقات وإن كانت مستمدة من وحي، إلا أن اسقاطاتها النسبية في واقع العامة، تمت بوعاء عقل بشري عاد، يمكن ادراكه بالعلم، ولم تأت مباشرة من وعاء نبي ولا رسول مرسل اختاره العلي القدير من عل.
الروح والجسد ..علم يقيني ومدرك نسبي..ميلاد الشك
الروح لدى علماء السلف باتصالها بالجسد تصبح نفسا، فالنفس هي روح مسجونة في قمقم الجسد، فإن اتصلت بعالمها الأصلي المطلق سمت، وان طاوعت الجسد دنت، لهذا فان أي اتصال للروح بالجسد يسفر عن حركتين أساسيتين، حركة خارجية لأعضاء الجسم، تتحرك فيها اليد الرجل الرأس اللسان...، وحركة داخلية يمكن تسميتها بحركة الأفكار.
إذن تفاعل الروح بالجسد المادي هو الذي يجعل ذلك الوعاء الإنسي يتحرك ويفكر، كما أسلفنا الذكر، غير أن أي تفكير تسبقه شرارة التفاعل، شرارة تكون مزيجا بين علم يقيني، أتت به الروح السابحة في ملكوت الله الواسع الخبيرة، بما اطلعت عليه باذن الرحمن ، وعلم نسبي يطلع به الجسد المادي المحدود في زمان ومكان نسبيين، من خلال أذن تسمع، عين تبصر، ودماغ يدرك ،وذاك هو الشك الذي انطلق منه ابو حامد الغزالي ومن بعده ديكارت.
فالشك اذن هو حالة الحيرة التي تكتسي الانسان، بين علم روحي يقيني، وعلم جسدي مدرك، روحك في داخلك تخبرك أن خالق هذه الأكوان هو الله عز وجل، وهذا هو اليقين، جسدك بدماغه لا يرى هذه الحقيقة ماثلة أمامه، هنا يخلق الشك، فمن تسمو روحه، يقطع رأس شكه بيقين وجود الله عز وجل، وأنه أكبر وأجل وأعظم، من أن يدرك بدماغ لا يحيط إلا بما يرى ويسمع ويلمس.
ذواتنا الحالية بين الشك واليقين
لأن القرأن بين أيدينا ، ولأننا توارثنا الإسلام، فإننا قد نتجاوز حالة الشك، طبعا قد لا يصل كثيرنا الى اليقين، فهو مناط بحث العارفين، قال الله عز وجل : قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 14. سورة الحجرات، من هنا فاغلبنا قد توارث الدين ووجدنا أنفسنا مسلمين، ولله الحمد والمنة، هذا لأننا نهرب من الشك ونرى فيه معصية، وهذا هو المطلوب، فإن لم تكن متحصنا، بصلاة في أوقاتها وذكر لله وتدبر للقران وإقامة لحدود الله...فاي محاولة لمطاوعة شكك ضرب من الخبل، فمطاوعة شكك وعدم الاستعاذة بالله من شرور نفسك ووسوسة شيطانك، في حالة تكون مداوما فيها على إثم ومعصية وتهاون في عبادة، أو اتباع هوى، أو غرور بعبادة وعلم وتزكية للنفس... كل هذا هو تمكين وتغليب لجسدك على روحه السامية، حيث يلوثها ويجعلها حيوانية الهدف –لوامة- أو شيطانية التفكير –أمارة بالسوء.
الشيطان لا يملك إلا أن يجذبك نحو الحقيقة التي يراها جسدك ، لا اليقين الذي تستوعبه روحك في عليائها، فإذا سجنت روحك في جسدك، وأغلقت عليها منافذ الرحمن، من صلاة وقران وذكر، ستنقطع عن هذه النفس أي صلة بعالمها المطلق وعلمها اليقيني، الذي أدركته قبل دخولها إلى جسدك المادي، حينما تغلق تلك المنافذ، يصبح لديك جسدا حيوانيا تتحكم فيه وسوسات الشيطان بداية، فتتجاوز الحدود التي امرك الله بعدم تجاوزها، فروحك المؤنبة غذا صوتها خافتا غير سماع، ويا ليت بينك وبين الله وصلة رجوع، تستقوي فيها روحك أو نفسك اللوامة، بدمع منيب مستغفر، فاغلاقك المنافذ كلها، سيجعل نفسك تألف شهوة الجسد، وتستبدل يقينها السامي، بحقيقة جسدية حيوانية، همها تلبية الرغبات والشهوات بدون رادع، إنها ذات تفوق الحيوان بطشا وشرا، فالحيوان لا يبطش إلا لجوع، أو حماية لنفسه، لكن الإنسان إذا اغتمره الشر، بطش لكي يفسد في الأرض، هنا تصبح نفسك أمارة بالسوء، لا تستقيم حياتها إلا بشر، فلا يغدو شيطانك هو المتحكم فيك، بل نفسك الخبيثة، فالشيطان أدى مهمته بنجاح، وتركك حرا لتكون معينه بوصفك شيطانا انسيا والعياذ بالله.
نسأل السلامة لي ولكم ولجميع البشر أجمعين.
في المبحث الثاني سأعرج على قصة أصحاب الكهف، لإيضاح معنى تفاعل الروح بالجسد، ثم سأحاول بإذن الله إبراز مسالك الشك والتفكير وحالات غيابهما، والتي على إثرها تتحدد معالم الإنتاج الروحية والفكرية والعلمية المفضية إلى العبادة أو الكتابة أو الحركة.
مالك المغربي.


تعليقات
إرسال تعليق