الخلفيات المعرفية ودورها في التفكير والتقدير
قال الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33)
الله عز
وجل عدل، وقد خلق لكل منا خلفيات معرفية، حاشا لله ان يظلم ، أويجعل أحدا ما متفوقا على الأخر في خلفيته المعرفية. باستثناء الرسل الذين يختارهم الله عز وجل وكذلك الحكماء أيضا، قال تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن
يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ
إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) سورة البقرة. فالانبياء بالاضافة الى خلفياتهم المعرفية المنشرحة، يبعث لهم الله عز وجل، بوصلة الوحي ليذكروا عباده بالطريق المثلى، وكذلك الحكماء يلهمهم سبل الرشاد، كي ينطلقوأ من خلفياتهم تلك لاستجلاء آيات الرحمن وفهمها.
فالخلفية المعرفية هي نفسها عندي عندك عند الآخر، فقط هناك من يجيد الانطلاق من تلك الخلفيات لفتح معالم التفكير، فيقدر ما اختلج في تفكيره، ويعطي له حسابات واقعية او مادية، فيخرج لنا علما نظرية او منهجا...وهناك من يعطل تلك الخلفية فيؤثر عليه المحسوس المادي الخارجي فيشغله عن أي تفكير وجداني. كما أن هناك ظروفا واقعية تخلق بعض المطبات والتشوهات خاصة في فترات الحمل، فتجعل المولود يولد بخلفية معرفية في قلبه، لكن الوعاء الإدراكي به خلل ما، وهو ما يؤثر على إمكانية التواصل بين الإدراك المحسوس والعمق المعرفي، وهو ما يجعل الإنتاج الفكري يتعطل، لتعطل الأداة المرسلة أو المعبرة عن الفكرة، الذي هو الدماغ. الأوربيون في عز شقاهم في عصورهم المظلمة، عادوا الى خلفيات تفكيرهم ووجدانهم، تلهمهم كتب المسلمين آنذاك، أحسوا بالغبن والنقص، ففكروا، وقدروا من ذات الخلفيات المعرفية التي نملكها نحن. انطلقوا من وجدانهم لكنهم انصدموا مع الخارج المؤثر المثمثل في الكنيسة وثقلها، كاد يخرج فكرهم موازيا للاسلام، لكن محسوسهم الإدراكي المتصادم مع الكنيسة جعلهم يبتعدون في آفاقهم العلمية والبحثية، عن أي كلمة ترمز او تشير إلى الدين، فكان أن انتهجوا العلمانية سبيلا حاضنا، لكن وفق رؤى ومقاربات اسلامية غلفت برداء الانسانية، فالعلمانية ليست سببا لتطور الاوروبيين، ولكنها حاضنة ابتدعت تعويضا للدين، العلمانية اكتسبت مجدا لا تستحقه، لأن أصول كل علم او نظرية أو منهج هو حقيقة معرفية كامنة فيك، ما يجعلها تتحول من الحقيقة الى النسبية، هو المحسوس الادراكي الحسي للفيلسوف أو العالم أو المفكر..، فهي تأتي حقيقة لكنها تتغير بتغير المدركات والظروف المكانية والزمانية، فتخرج للوجود نظريات تقترب من الحقيقة أو تكون نسبية أو خاطئة . تماما الأفكار الذاتية هي ملكك، والأفكار المؤثرة هي ملك الغير، تفاعل هذه الافكار إما يستفز خلفيتك المعرفية فيجعلها تكشف كنزها، او تؤثر فيك الأفكار الخارجية فتغلق خلفيتك المعرفية وتغدو تابعا، لهذا لا تلمني في تبعيتك للغرب، حسبك انك أنت الضعيف، الذي اغلق كنزه الداخلي، وتتبع خطوات الغرب دون بوصلة ذاتية للتفكير. مالك المغربي |


تعليقات
إرسال تعليق