الاحتفال بالعام الجديد، فرار من الماضي أم محو له؟

      عند كل عام نرى الأمم الغربية ومن والاهم من بني جلدتنا يسارعون الى نبذ العام الماضي بسرعة في ايامه الاخيرة لاستقبال العام الجديد بكل فرح وزهو. أمر اعتدناه وقد لا يوحي الينا بأي غرابة تذكر، هذا لاننا كلنا نعيش في خضم صورة مبعثرة، لم نتحين فرصة جمعها وترتيبها حتى تظهر لنا الصورة في جلائها.لكن تعالوا فقط في ربع ساعة نجمع هذه الصورة معا، لا تستعجلوا فقط ربع ساعة من وقتكم الثمين...أعلم أني ضيف ثقيل الظل لكن احتملوني ربع ساعة فقط.

ثقافة نبذ الماضي من وراء ظهورنا تعدت منطق العرف لتصبح قانونا يؤطر الشعوب المعاصرة، النسيان امر مهم، اعني النسيان الطبيعي الذي ألهمنا إياه العلي القدير، لكن النسيان المطلق، أو النسيان الممنهج هذا النسيان فيه شبهة، النسيان الذي يجعلك تنسى ما قدماه والداك لك في الصغر وعند عجزهما تاخذهما الى دور العجزة، النسيان الذي يجعلك تنكر خير من أحسن اليك وتقابله بالاساءة أو باللامبالاة ، النسيان الذي يجعلك تنسى ارضك ووطنك بمجرد ان تصل ارض الآخرين، النسيان الذي يجعلك تنسى دينك قيمك وموروثاتك، النسيان الذي تموت ذكرياته وتقترن فيه بالعام فقط، حينما يموت العام تموت الذكريات. أي منطق هذا وأي فلسفة التي تجعل ذكرياتي متقطعة وغير موصولة بل وتمحى مع مدخل عام جديد؟
{وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ} [سورة الذاريات: 55]، إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا ﴿29 الانسان﴾. هناك ايات عديدة تحرص على الذكرى والتذكرة والتذكير، بل ان الله عز وجل حدد مهمة الرسول في التذكرة والبلاغ وليس بالسيطرة على النفوس حيث قال عز وجل : ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ، إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ، فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ، إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ. سورة الغاشية.
ان من المهام التي نضطلع بها بوصفنا مسلمين هي مهمة التذكير بعبادة الله الواحد الاحد، هذه المهمة هي أبلغ واهم مهمة تركها لنا الرسل، كل امريء منا رسول لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، كل امريء مهما كانت وضعيته ايمانه علمه ومنهجه... حري به التذكير بعبادة الواحد الاحد لا شريك له واتباع الدين الاسلامي بنقائه وصفائه، لا يهم ان تكون مومنا ملتزما او عاصيا، لا يهم ان تكون من ذاك المذهب او ذلك الفصيل، لا يهم ان تكون عالما او متعلما، لا يهم ان تكون شيخا أو طفلا صغيرا...المهم ان تذكر فالذكرى تنفع المومنين، وهناك شياطين الانس والجن تسعي لمحو هذه التذكرة عن بكرة أبيها، وما الهجمات التي يتعرض لها العالم الاسلامي وهذا التقسيم والتنكيل الا لكونه العالم الوحيد الذي لا يزال يذكر بعبادة الله الواحد الأحد، الحي الصمد.
يجب ان نعلم ان الرسل وليس الانبياء تبعث فقط حين تنمحي التذكرة في النفوس، ويصبح رجالها الصادقين متفرقين في العالم، وحينما يصبح الدين الحق اساطير الاولين، حينها يبعث الله عز وجل في تلك الامم رسولا مهمته التذكير بما سلف، وما الشرائع الدينية المتجددة الا اركان بها تحفظ تلك التذكرة من الضياع والنقصان. لنا القران الكريم حجة لنا وعلينا، هو مذكرنا ان قرأناه ونحن في تيه وتلف إن هجرناه وحينها سيكون حجة علينا.
نعم نحن الان في مراحل التيه العالمي والعالم الاسلامي اضحت عروته الوثقى تنحل عنوة، صار الرجال الصادقين متفرقين أو في مرحلة التفرق لا يكاد أحد يعلم بأحد، نحن ضائعون لكن مهمتنا الخالدة لا يجب ان نغفلها مهما غطتنا ذنوبنا، فانفض عنك غبار الذنوب وابك خشية لله مستغفرا منيبا، ايها السكير المسلم الحامل لقنينة خمر بيدك ان كان ذنبك لك والوزر عليك فلا تورث الذنب لابنك فتحمل الوزر مرتين او اكثر، ذكره بأنك على خطأ وأن المنهج الرباني يقتضي وجود شباب ملتزم مذكر، لا شبابا عبدا لشهواته، هي دعوة لك أنت ايها الزاني وأيها الظالم ...دعوة للفساق والمذنبين المسلمين اينما تعينوا، دعوة للمؤمنين الصامتين الخائفين اينما كانوا، ذكروا انفسكم وابناءكم بعبادة الله عز وجل الواحد الاحد، الذي لا يتجلى لمخلوق ولا يخضع لزمن او مكان خلقهما بجلاله وعظمته، تعالى ربي عما يصور السفهاء وتعالى عن أي طموح يتجهون إليه...لا تسهموا في عولمة الذنوب رجاء، تستروا واستغفروا ربكم.
اننا في مرحلة "الفورمتاج" العالمي، لا تتركوا ذكرياتكم لا تدعوها تمحى بكبسة زر، دينكم عضوا عليه بالنواجذ..سيتم تثبيت ثقافة بديلة مكان ثقافتك حاذر وتربص..لا تمح عاما بعام، اربط ذكرياتك بعضها ببعض ليكن لك حنين الى طفولتك، فالحنين اليها سيجعلك تحن الى امك وأبيك، سيجعلك تقوم الساعة وتقبل رأسيهما وتقول في قرارة نفسك رب ارحمهما كما ربياني صغيرا، حنينك الى طفولتك سيقودك الى فطرتك البيضاء النقية الصافية، التي كنت فيها عابدا لله وحده تهيم حبا في عبادته، توحيد لم يكدر صفوه حينذاك شيطان جن ولا انس.
هذا قولي لكم قد جمعنا الصورة معا فهل رأيتم جلاءها؟

تعليقات

المشاركات الشائعة